سيد قطب

685

في ظلال القرآن

هذا الدرس يتناول موضوعا خطيرا . . الموضوع الأساسي في حياة الأمة المسلمة . إنه يتناول بيان شرط الإيمان وحدّه ؛ متمثلا في النظام الأساسي لهذه الأمة . . ومن الموضوع في ذاته ، ومن طريقة ارتباطه وامتزاجه بالنظام الأساسي للأمة ، يستمد خطورته وخطره . . إن القرآن - وهو ينشئ هذه الأمة وينشئها - وهو يخرجها إلى الوجود إخراجا . كما قال اللّه تعالى في التعبير القرآني الدقيق : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » . . إن القرآن وهو ينشئ هذه الأمة من حيث لم تكن ؛ وينشئها لتصبح أمة فريدة في تاريخ البشر : « خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » . . ويجب أن نؤكد هذه الحقيقة ونوضحها قبل المضي في الحديث : حقيقة إنشاء القرآن لهذه الأمة وتنشئتها معا . . فقد كانت - على التحقيق - إنشاء وتنشئة ، كانت ميلادا جديدا للأمة ؛ بل ميلادا جديدا « للإنسان » في صورة جديدة ! ولم تكن مرحلة في طريق النشأة ؛ ولا خطوة في سبيل التطور ، ولا حتى وثبة من وثبات النهضة ! إنما كانت - على وجه التحديد - « نشأة » ! و « ميلادا » للأمة العربية وللإنسان كله ! وحين ننظر إلى الشعر الجاهلي - والنتف الأخرى من المأثورات الجاهلية - وهو ديوان العرب ، الذي تضمن أعلى وأخلد ما كان للعرب من نظرة للحياة والوجود ، والكون والإنسان والخلق والسلوك ؛ كما تضمن معالم حياتهم ، ومكنون مشاعرهم ، ومجموع تصوراتهم ؛ ولباب ثقافتهم وحضارتهم ؛ وكينونتهم كلها بالاختصار . . حين ننظر إلى مجموعة الثقافات والتصورات والقيم التي يتضمنها هذا الديوان ؛ في ظل القرآن ؛ وما تضمنه من نظرة للوجود والحياة ، وللكون والإنسان ؛ ومن قيم في الحياة الإنسانية ؛ ومن نظام للمجتمع ؛ ومن تصور لغاية الوجود الإنساني . ومن تنظيم واقعي يقوم على أساس هذا التصور . . ثم ننظر إلى واقع العرب قبل الإسلام وبعده . . في ظل تلك التصورات الجاهلية التي تتمثل في ديوانها . ثم